فصل: تفسير الآية رقم (82):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (81):

{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)}
وقوله سبحانه: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال} يحتمل الاستئناف البياني والنحوي وهو مبين لتلك الفاحشة، والاتيان هنا عنى الجماع، وقرأ ابن عامر وجماعة {أَئِنَّكُمْ} بهمزتين صريحتين، ومنهم من قرأ بتليين الثانية بغير مد، ومنهم من مد وهو حينئذ تأكيد للإنكار السابق وتشديد للتوبيخ، وفي الاتيان بإن واللام مزيد تقبيح وتقريع كأن ذلك أمر لا يتحقق صدوره عن أحد فيؤكد تأكيدًا قويًا، وفي إيراد لفظ {الرجال} دون الغلمان والمردان ونحوهما كما قال شيخ الإسلام مبالغة في التوبيخ كأنه قال: لتأتون أمثالكم {شَهْوَةً} نصب على أنه مفعول له أي لأجل الاشتهاء لا غير أو على الحالية بتأويل مشتهين، وجوز أن يكون منصوبًا على المصدرية وناصبه {تأتون} لأنه عنى تشتهون، وفي تقييد الجماع الذي لا ينفك عن الشهوة بها إيذان بوصفهم بالبهيمية الصرفة وأن ليس غرضهم إلا قضاء الشهوة، وفيه تنبيه على أنه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لا قضاء الشهوة، وجوز أن يكون المراد الإنكار عليهم وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة القذرة الخبيثة كما ينبئ عنه قوله تعالى: {مّن دُونِ النساء} أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل الاشتهاء عند ذوي الطباع السليمة كما يؤذن به قوله سبحانه: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} فالجار والمجرور في موضع الحال من ضمير {تأتون}، وجوز أن يكون حالا من الرجال على ما قاله أبو البقاء أي تأتونهم منفردين عن النساء، وأن يكون في موضع الصفة لشهوة على ما قيل واستبعد تعلقه به، و{بَلِ} للإضراب وهو إضراب انتقالي عن الإنكار المذكور إلى الإخبار بما أدى إلى ذلك وهو اعتياد الإسراف في كل شيء أو إلى بيان استجماعهم للعيوب كلها. ويحتمل أن يكون إضرابًا عن غير مذكور وهو ما توهموه من العذر في ذلك أي لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإسراف والخروج عن الحدود، وهذا في معنى ذمهم بالجهل كما في سورة النمل (55) إلا أنه عبر بالاسم هنا وبالفعل هناك لموافقة رؤوس الآي المتقدمة في كل والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

.تفسير الآية رقم (82):

{وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)}
{وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} أي المستكبرين منهم المتصدين للعقد والحل {إِلاَّ أَن قَالُواْ} استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان جوابهم شيء من الأشياء إلا قولهم أي لبعضهم الآخرين المباشرين للأمور أو ما كان جواب قومه الذين خاطبهم بما خاطبهم شيء من الأشياء إلا قول بعضهم لبعض معرضين عن مخاطبته عليه السلام {أَخْرِجُوهُم} أي لوطًا ومن معه {مّن قَرْيَتِكُمْ} أي بلدتكم التي أجمعتم فيها وسكنتم بها. والنظم الكريم من قبيل:
تحية بينهم ضرب وجيع

والقصد منه نفي الجواب على أبلغ وجه لأن ما ذكر في حيز الاستثناء لا تعلق له بكلامه عليه السلام من إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها ووسمهم بما هو أصل الشر كله، ولو قيل: وقالوا أخرجوهم لم يكن بهذه المثابة من الإفادة.
وقوله سبحانه: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تعليل للأمر بالإخراج. ومقصود الأشقياء بهذا الوصف السخرية بلوط ومن معه وبتطهرهم من الفواحش وتباعدهم عنها وتنزههم عما في المحاش والافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أخرجوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد. وقرئ برفع {جَوَابَ} على أنه اسم كان، و{إِلاَّ أَن قَالُواْ} إلخ خبر قيل: وهو أظهر وإن كان الأول أقوى في الصناعة لأن الأعرف أحق بالاسمية. وقد تقدم ما ينفعك هنا فتذكر. وأيًا ما كان فليس المراد أنهم لم يصدر عنهم في مقابلة كلام لوط عليه السلام ومواعظه إلا هذه المقالة الباطلة كما ينساق إلى الذهن بل إنه لم يصدر عنهم في المرة الأخيرة من مرات المحاورات الجارية بينه عليه السلام وبينهم إلا هذه الكلمة الشنيعة، وإلا فقد صدر عنهم قبل ذلك كثير من الترهات كما حكى عنهم في غير موضع من الكتاب الكريم؛ وكذا يقال في نظائره، قيل: وإنما جيء بالواو في {وَمَا كَانَ} إلخ دون الفاء كما في النمل (65) والعنكبوت (42) لوقوع الاسم قبل هنا والفعل هناك والتعقيب بالفعل بعد الفعل حسن دون التعقيب به بعد الاسم وفيه تأمل. ولعل ذكر {أَخْرِجُوهُم} هنا و{فَمَا كَانَ جَوَابَ} في النمل (65) إشارة إلى أنهم قالوا مرة هذا وأخرى ذاك أو أن بعضًا قال كذا وآخر قال كذا. وقال النيسابوري: إنما جاء في النمل {فَمَا كَانَ جَوَابَ} ليكون تفسيرًا لهذه الكناية، وقيل: إن تلك السورة نزلت قبل الأعراف وقد صرح في الأولى، وكنى في الثانية اه. ولعل ما ذكرناه أولى فتأمل.

.تفسير الآية رقم (83):

{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)}
{فأنجيناه وَأَهْلَهُ} أي من اختص به واتبعه من المؤمنين سواء كانوا من ذوي قرابته عليه السلام أم لا. وقيل: ابنتاه ريثا ويغوثا. وللأهل معان ولكل مقام مقال، وهو عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه في باب الوصية الزوجة للعرف ولقوله سبحانه: {قَالَ لاِهْلِهِ امكثوا} [القصص: 29] {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [القصص: 29] فتدفع الوصية لها إن كانت كتابية أو مسلمة وأجازت الورثة. وعند الإمامين أهل الرجل كل من في عياله ونفقته غير مماليكه وورثته، وقولهما كما في «شرح التكملة» استحسان. وأيده ابن الكمال بهذه الآية لأنه لا يصح فيها أن يكون عنى الزوجة أصلًا لقوله سبحانه: {إِلاَّ امرأته} فإنه استثناء من أهله وحينئذ لا يصح الاستثناء، وأنت تعلم أن الكلام في المطلق على القرينة لا في الأهل مطلقًا واسم امرأته عليه السلام واهلة وقيل: والهة.
{كَانَتْ مِنَ الغابرين} أي بعضًا منهم فالتذكير للتغليب ولبيان استحقاقها لما يستحقه المباشرون للفاحشة وكانت تسر الكفر وتوالي أهله فهلكت كما هلكوا. وجوز أن يكون المعنى كانت مع القوم الغابرين فلا تغليب. والغابر عنى الباقي ومنه قول الهذلي:
فغبرت بعدهم بعيش ناصب ** ويجيء بمعنى الماضي والذاهب

ومنه قوله الأعشى:
في الزمن الغابر

فهو من الأضداد كما في الصحاح وغيره. ويكون عنى الهالك أيضًا. وفي بقاء امرأته مع أولئك القوم روايتان ثانيتهما أنه عليه السلام أخرجها مع أهله ونهاهم عن الالتفات فالتفتت هي فأصابها حجر فهلكت. والآية هنا محتملة للأمرين. والحسن وقتادة يفسران الغبور هنا بالبقاء في عذاب الله تعالى. وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام. والجملة استئناف وقع جوابًا نشأ عن الاستثناء كأنه قيل: فما كان حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين.

.تفسير الآية رقم (84):

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)}
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا} أي نوعًا من المطر عجيبًا وقد بينه قوله سبحانه: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ} [الحج: 74]. وفي الخازن أن تلك الحجارة كانت معجونة بالكبريت والنار. وظاهر الآية أنه أمطر عليهم كلهم. وجاء في بعض الآثار أنه خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم حتى أن تأجرا منهم كان في الحرم فوقفت له حجر أربعين يومًا حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع غليه. وفرق بين مطر وأمطر فعن أبي عبيدة أن الثلاثي في الرحمة والرباعي في العذاب ومثله عن الراغب، وفي الصحاح عن أناس أن مطرت السماء وأمطرت عنى، وفي القاموس: لا يقال أمطرهم الله تعالى إلا في العذاب. وظاهر كلام الكشاف في الأنفال (23) الترادف كما في الصحاح لكنه قال: وقد كثر الإمطار في معنى العذاب وذكر هنا أنه يقال: مطرتهم السماء وواد ممطور ويقال: أمطرت عليهم كذا أي أرسلته عليهم إرسال المطر. وحاصل الفرق كما في الكشف ملاحظة معنى الإصابة في الأول والإرسال في الثاني ولهذا عدي بعلى، وذكر ابن المنير أن مقصود الزمخشري الرد على من يقول: إن مطرت في الخير وأمطرت في الشر ويتوهم أنها تفرقة وضعية فبين أن أمطرت معناه أرسلت شيئًا على نحو المطر وإن لم يكن ماءً حتى لو أرسل الله تعالى من السماء أنواعًا من الخير... لجاز أن يقال فيه: أمطرت السماء خيرًا أي أرسلته إرسال المطر فليس للشر خصوصية في هذه الصيغة الرباعية ولكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئًا سوى المطر إلا وكان عذابًا فظن أن الواقع اتفاقًا مقصود في الوضع وليس به انتهى. ويعلم منه كما قال الشهاب أن كلام أبي عبيدة وأضرابه مؤول وإن رد بقوله تعالى: {عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] فإنه عنى به الرحمة. ولا يخفى أنه لو قيل: إن التفرقة الاستعمالية إنما هي بين الفعلين دون متصرفاتهما لم يتأت هذا الرد إلا أن كلامهم غير صريح في طلك، ولعل البعض صرح بما يخالفه ثم ان {مَّطَرًا} إما مفعول به أو مفعول مطلق.
{فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين} أي مآل أولئك الكافرين المقترفين لتلك الفعلة الشنعاء. وهذا خطاب لكل من يتأتى منه التأمل والنظر تعجيبًا من حالهم وتحذيرًا من أفعالهم. وقد مكث لوط عليه السلام فيهم على ما في بعض الآثار ثلاثين سنة يدعوهم إلى ما فيه صلاحهم فلم يجيبوه وكان إبراهيم عليه السلام يركب على حماره فيأتيهم وينصحهم فيأبون أن يقبلوا فكان يأتي بعد أن أيس منهم فينظر إلى سدوم ويقول سدوم أي يوم لك من الله تعالى سدوم حتى بلغ الكتاب أجله فكان ما قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم.
وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك. ثم إن لوطًا عليه السلام كما أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الزهري لما عذب قومه لحق بإبراهيم عليه السلام فلم يزل معه حتى قبضه الله تعالى إليه.
وفي هذه الآيات دليل على أن اللواطة من أعظم الفواحش. وجاء في خبر أخرجه البيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وصححه الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله تعالى سبعة من خلقه فوق سبع سموات فردد لعنة على واحد منها ثلاثًا ولعن بعد كل واحد لعنة فقال: ملعون ملعون ملعون من عمل عمل قول لوطِ» الحديث. وجاء أيضًا: «أربعة يصبحون في غضب الله تعالى ويمسون في سخط الله تعالى...» وعد منهم من يأتي الرجل. وأخرج ابن أبي الدنيا وغيره عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الذي يعمل ذلك العمل لو اغتسل بكل قطرة من السماء وكل قطرة من الأرض لم يزل نجسًا أي إن الماء لا يزيل عنه ذلك الإثم العظيم الذي بعده عن ربه. والمقصود تهويل أمر تلك الفاحشة. وألحق بها بعضهم السحاق وبدا أيضًا في قوم لوط عليه السلام فكانت المرأة تأتي المرأة فعن حذيفة رضي الله تعالى عنه إنما حق القول على قوم لوط عليه السلام حين استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال. وعن أبي حمزة رضي الله تعالى عنه قلت لمحمد بن علي عذب الله تعالى نساء قوم لوط بعمل رجالهم فقال: الله تعالى أعدل من ذلك استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء. وآخرون إتيان المرأة في عجيزتها واستدل بما أخرج غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال على المنبر: سلوني؟ فقال ابن الكواء: تؤتى النساء في أعجازهن؟ فقال كرم الله تعالى وجهه: سفلت سفل الله تعالى بك ألم تسمع قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الفاحشة} [الأعراف: 80] الآية. ولا يخفى أن ذلك لا يتم إلا بطريق القياس وإلا فالفاحشة في الآية مبينة بما علمت. نعم جاء في آثار كثيرة ما يدل على حرمة إتيان الزوجة في عجيزتها والمسألة كما تقدم خلافية والمعتمد فيها الحرمة.
ولا فرق في اللواطة بين أن تكون ملوك أو تكون بغيره. واختلفوا في كفر مستحل وطء الحائض ووطء الدبر. وفي «التتارخانية» نقلًا عن «السراجية» اللواطة ملوكه أو مملوكته أو امرأته حرام إلا أنه لو استحله لا يكفر وهذا بخلاف اللواطة بأجنبي فإنه يكفر مستحلها قولًا واحدًا. وما ذكر مما يعلم ولا يعلم كما في «الشرنبلالية» لئلا يتجرأ الفسقة عليه بظنهم حله.
واختلف في حد اللواطة فقال الإمام: لا حد بوطء الدبر مطلقًا وفيه التعزير ويقتل من تكرر منه على المفتى به كما في «الأشباه».
والظاهر على ما قال البيري أنه يقتل في المرة الثانية لصدق التكرار عليه. وقال الإمامان: إن فعل في الأجانب حد كحد الزنا وإن في عبده أو أمته أو زوجته بنكاح صحيح أو فاسد فلا حد إجماعًا كما في الكافي وغيره بل يعزر في ذلك كله ويقتل من اعتاده. وفي «الحاوي القدسي» وتكلموا في هذا التعزير من الجلد ورميه من أعلى موضع وحبسه في أنتن بقعة وغير ذلك سوى الإخصاء والجب والجلد أصح. وفي الفتح يعزر ويسجن حتى يموت أو يتوب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حد اللواطة القتل للفاعل والمفعول ورواه مرفوعًا، وفي رواية أخرى عنه أنه سئل ما حد اللوطي فقال: ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه منكسا ثم يتبع بالحجارة. قال في الفتح وكأن مأخذ هذا أن قوم لوط أهلكوا بذلك حيث حملت قراهم ونكست بهم ولا شك في اتباع الهدم بهم وهم نازلون. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه رجم لوطيًا وهو أشبه شيء بما قص الله تعالى من إهلاك قوم لوط عليه السلام بإمطار الحجارة عليهم.
وصححوا أنها لا تكون في الجنة لأنه سبحانه استقبحها وسماها فاحشة والجنة منزهة عن ذلك. وفي الأشباه أن حرمتها عقلية فلا وجود لها في الجنة، وقيل: سمعية فتوجد أي فيمكن أن توجد. وكأنه أراد بالحرمة هنا القبح إطلاقًا لاسم السبب على المسبب أي أن قبحها عقلي عنى أنه يدرك بالعقل وإن لم يرد به الشرع. وليس هذا مذهب المعتزلة كما لا يخفى. ونقل الجلال السيوطي عن ابن عقيل الحنبلي قال: جرت هذه المسألة بين أبي علي بن الوليد المعتزلي وبين أبي يوسف القزويني فقال ابن الوليد: لا يمنع أن يجعل ذلك من جملة اللذات في الجنة لزوال المفسدة لأنه إنما منع في الدنيا لما فيه من لطع النسل وكونه محلًا للأذى وليس في الجنة ذلك ولهذا أبيح شرب الخمر لما ليس فيه من السكر والعربدة وزوال العقل بل اللذة الصرفة فقال أبو يوسف رضي الله تعالى عنه: الميل إلى الذكور عاهة وهو قبيح في نفسه لأنه محل لم يخلق للوطء ولهذا لم يبح في شريعة بخلاف الخمر فقال ابن الوليد: هو قبيح وعاهة للتلويث بالأذى ولا أذى في الجنة فلم يبق إلا مجرد الالتذاذ انتهى. وأنا أرى أن إنكار قبح اللواطة عقلًا مكابرة ولهذا كانت الجاهلية تعير بها ويقولون في الذم فلان مصفر استه ولا أدري هل يرضى ابن الوليد لنفسه أن يؤتى في الجنة أم لا؟ فإن رضي اليوم أن يؤتي غدا فغالب الظن أن الرجل مأبون أو قد ألف ذلك وإن لم يرض لزمه الإقرار بالقبح العقلي.
وإن ادعى أن عدم رضائه لأن الناس قد اعتادوا التعيير به وذلك مفقود في الجنة قلنا له: يلزمك الرضا به في الدنيا إذا لم تعير ولم يطلع عليك أحد فإن التزمه فهو كما ترى؛ ولا ينفعه ادعاء الفرق بين الفاعل والمفعول كما لا يخفى على الأحرار.
وصرحوا بأن حرمة اللواطة أشد من حرمة الزنا لقبحها عقلًا وطبعًا وشرعًا والزنا ليس بحرام كذلك وتزول حرمته بتزويج وشراء بخلافها وعدم الحد عند الإمام لا لخفتها بل للتغليظ لأنه مطهر على قول كثير من العلماء وإن كان خلاف مذهبنا، وبعض الفسقة اليوم دمرهم الله تعالى يهونون أمرها ويتمنون بها ويفتخرون بالاكثار منها. ومنهم من يفعلها أخذًا للثأر ولكن من أين، ومنهم من يحمد الله سبحانه عليها مبنية للمفعول وذلك لأنهم نالوا الصدارة بأعجازهم؛ نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. واعلم أن للواطة أحكامًا أخر فقد قالوا: إنه لا يجب بها المهر ولا العدة في النكاح الفاسد ولا في المأتي بها لشبهة ولا يحصل بها التحليل للزوج الأول ولا تثبت بها الرجعة ولا حرمة المصاهرة عند الأكثر ولا الكفارة في رمضان في رواية ولو قذف بها لا يحد ولا يلاعن خلافًا لهما في المسألتين كما في البحر أخذًا من المجتبى. وفي «الشرنبلالية» عن «السراج» يكفي في الشهادة عليها عدلان لا أربعة خلافًا لهما أيضًا.
هذا ولم أقف للسادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم على ما هو من باب الإشارة في قصة قوم لوط عليه السلام، وذكر بعضهم في قصة قوم صالح عليه السلام بعد الإيمان بالظاهر أن الناقة هي مركب النفس الإنسانية لصالح عليه السلام ونسبتها إليه سبحانه لكونها مأمورة بأمره عز وجل مختصة به في طاعته وقربه. وما قيل: إن الماء قسم بينها وبينهم لها شرب يوم ولهم شرب يوم إشارة إلى أن مشربهم من القوة العاقلة العملية ومشربه من القوة العاقلة النظرية. وما روي أنها يوم شربها كانت تتفحج فيحلب منها اللبن حتى تملأ الأواني إشارة إلى أن نفسه تستخرج بالفكر من علومه الكلية الفطرية العلوم النافعة للناقصين من علوم الأخلاق والشرائع. وخروجها من الجبل خروجها من بدن صالح عليه السلام. وقال آخرون: إن الناقة كانت معجزة صالح عليه السلام وذلك أنهم سألوه أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر فخرجت فسقيت سر السر فأعطت بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الإلهية ثم قال لهم: ذروها ترتع في رياض القدس وحياض الأنس {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء} من مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] وهو عذاب الانقطاع عن الوصول إلى الحقيقة {واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء} أي مستعدين للخلافة {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض} أي أرض القلب {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا} وهي المعاملات بالصدق {قُصُورًا} تسكنون فيها {وَتَنْحِتُونَ الجبال} وهي جبال أطوار القلب{بُيُوتًا} [الأعراف: 74] هي مقامات السائرين إلى الله تعالى. {قَالَ الملا الذين استكبروا} وهي الأوصاف البشرية والأخلاف الذميمة {لِلَّذِينَ استضعفوا} من أوصاق القلب والروح {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ} [الأعراف: 75] ليدعو إلى الأوصاف النورانية {فَعَقَرُواْ الناقة} [الأعراف: 77] بسكاكين المخالفة {فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة} لضعف قلوبهم وعدم قوة علمهم {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين} [الأعراف: 78] موتى لا حراك بهم إلى حظيرة القدس.
وذكر البعض أن الناقة والسقب صورتا الإيمان بالله تعالى والإيمان برسوله عليه الصلاة والسلام وقد ظهرا بالذات وبالواسطة من الحجر الذي تشبهه قلوب القوم وعقرهم للناقة من قبيل ذبح يحيى عليه السلام للموت الظاهر في صورة الكبش يوم القيامة. وفي ذلك دليل على أنهم من أسوأ الناس استعدادًا وأتمهم حرمانًا. ويدل على سوء حالهم أن الشيخ الأكبر قدس سره لم ينظمهم في «فصوص الحكم» في سلك قوم نوح عليه السلام حيث حكم لهم بالنجاة على الوجه الذي ذكره. وكذا لم ينظم في ذلك السلك قوم لوط عليه السلام وكأن ذلك لمزيد جهلهم وبعدهم عن الحكمة وإتيانهم البيوت من غير أبوابها وقذارتهم ودناءة نفوسهم. والذي عليه المتشرعون أن أولئك الأقوام كلهم حصب جهنم لا ناجي فيهم والله تعالى أحكم الحاكمين.